الحضارة السومرية

الاسم الذي أطلقه السومريون على أرضهم: «كي-إن-جي» — أرض الملوك المتحضرين[5]

موسوعة بلاد الرافدين · الملف الأول

الحضارة السومرية

هنا، بين دجلة والفرات، اخترعت البشرية الكتابة والمدينة والقانون. سومر هي النقطة التي يبدأ عندها التاريخ المدوّن — وكل ساعةٍ في يومك ما تزال تُقاس بنظامها الستيني.[1]

0عام من التاريخ الموثّق
0لوح طيني سومري في متاحف العالم[9]
0نص أدبي رقمته جامعة أكسفورد[2]
0أساس نظام العدّ الذي ما زال يقيس وقتنا
٠١
الأساس

نظرة عامة

في جنوبي بلاد الرافدين، فيما يُعرف اليوم بجنوب العراق، شهد الإنسان أول ثورة حضرية في تاريخه: حضارة سومر التي تبلورت في عصر العُبيد (نحو 5500 ق.م) ثم اكتملت ملامحها في عصر أوروك (نحو 4000–3100 ق.م)، لتقدّم للعالم أولى المدن الكبرى، وأول كتابة، وأولى مؤسسات الدولة والإدارة.[1]

سمّى السومريون أنفسهم «ذوي الرؤوس السوداء» (𒊕𒈪𒂵)، وسمّوا لغتهم ولغز وجودهم: فهي لغة معزولة لا تُعرف لها حتى اليوم أي صلة قرابة لغوية، وقد ظل فكّ رموزها — بعد اكتشافها في القرن التاسع عشر — أحد أعظم إنجازات علم الآشوريات الحديث.[5]

خلال خمسة عشر قرناً، وضع السومريون أسس كل ما نعدّه اليوم بديهياً: العجلة، والمحراث، والشراع، والمدرسة، والقانون المكتوب، والأدب الملحمي. ورغم أن السومرية انقطعت كلغة محكية نحو 1700 ق.م، فإنها عاشت أكثر من ألف عام بعدها لغةً للعلم والدين والأدب — كما عاشت اللاتينية في أوروبا الوسيطة.[1][2]

٠٢
عبر العصور

الخط الزمني

نحو 5500–4000 ق.م

عصر العُبيد

أولى المستوطنات الزراعية المستقرة في الجنوب؛ إريدو تنهض على حوافّ الأهوار، وبدايات الريّ المنظم الذي سيصنع ثروة سومر.[1]

نحو 4000–3100 ق.م

عصر أوروك

أوروك تتسع لتصبح أكبر مدينة في العالم آنذاك (~5.5 كم²)، وتظهر الكتابة التصويرية الأولى لأغراض المحاسبة (~3400 ق.م) — أقدم وثائق مكتوبة في التاريخ.[1][9]

نحو 2900–2334 ق.م

فجر السلالات

مدن-دول مستقلة تتنافس وتتصاهر؛ ملوك أسطوريون كجلجامش (~2700 ق.م)، والمقبرة الملكية في أور تُدفن مع ملوكها كنوزاً لا تُقدّر بثمن.[4]

2334–2154 ق.م

العصر الأكدي

سرجون الأكدي يوحّد البلاد في أول إمبراطورية مركزية، وفي بلاطه تبرز إنهدوانا — أول مؤلفة في التاريخ يُعرف اسمها.[1]

2112–2004 ق.م

سلالة أور الثالثة

نهضة بيروقراطية وأدبية: أور-نمو يُصدر أقدم مدونة قوانين باقية ويبني الزقورة العظمى، وعشرات آلاف الألواح الإدارية توثّق دولةً تُدار بالدقة.[4][10]

نحو 2004–1750 ق.م

عصر إيسن ولارسا

تفكك سياسي يقابله ازدهار أدبي؛ النسّاخ يجمعون الأعمال الكبرى ويحرّرونها في نسخٍ ستصل إلينا بعد أربعة آلاف عام.[2]

نحو 1700 ق.م

نهاية اللغة المحكية

السومرية تنحسر في الحياة اليومية أمام الأكدية، لكنها تُخلَّد في المعابد والمدارس لغةً للعلماء والكهنة لأكثر من ألف عام.[2]

٠٣
حواضر الجنوب

المدن الكبرى

𒀕𒆠

أوروك — المدينة الأولى في التاريخ

نحو 4000 – 2000 ق.م

على ضفاف الفرات قامت أوروك (الوركاء اليوم) لتصبح نحو 2900 ق.م أكبر تجمع بشري عرفه العالم آنذاك، بمساحة قاربت 5.5 كم² وأسوارٍ نسبتها الملحمة إلى جلجامش نفسه. في حيّها المقدس «إيانا» وُلدت الكتابة من رحم المحاسبة، ومنها خرجت أولى الوثائق المكتوبة في تاريخ البشرية.[1][6]

  • السكان في الذروةنحو 50 – 80 ألف نسمة، رقم غير مسبوق في الألف الثالث ق.م[1]
  • مسقط رأس الكتابةأقدم الألواح المسمارية (طبقة أوروك IV) تعود إلى نحو 3400 – 3100 ق.م[6]
  • إرث خالدمسرح ملحمة جلجامش، أقدم عمل أدبي في التاريخ (~2700 ق.م)[7]
𒋀𒀕𒆠

أور — مدينة الملوك والزقورة

نحو 3800 – 500 ق.م

موطن سلالة أور الثالثة التي وحّدت بلاد سومر في دولة بيروقراطية دقيقة، ومدينة الزقورة العظمى التي شيّدها أور-نمو نحو 2100 ق.م وما تزال شامخة حتى اليوم. مقبرتها الملكية التي كشفها ليونارد وولي في عشرينيات القرن الماضي أذهلت العالم بكنوزها: الذهب، واللازورد، وقيثارات لا تُقدّر بثمن.[4]

  • الزقورة العظمىأفضل زقورة محفوظة في العالم، بُنيت للإله ننّا (إله القمر)[4]
  • المقبرة الملكيةمدافن فريدة بطقوس دفن جماعي وكنوز ذهبية (~2600 ق.م)[4]
  • راية أورصندوق مطعّم باللازورد يروي مشاهد الحرب والسلام — أيقونة الفن السومري[9]
𒉣𒆠

إريدو — المدينة التي «نزلت من السماء»

نحو 5400 – 2000 ق.م

في قائمة الملوك السومريين، إريدو هي المدينة الأولى التي «نزلت إليها الملوكية من السماء». عند حوافّ الأهوار الجنوبية، على مقربة من أور، قامت أقدم مستوطنات الجنوب، وفيها معبد «الإبزو» المكرّس لإنكي إله الحكمة والمياه العذبة، الذي ظلّ يُعمَّر ويُعاد بناؤه عبر آلاف السنين فوق الطبقة نفسها.[3][8]

  • الأقدم في الوعي السومري«بعد أن نزلت الملوكية من السماء، كانت الملوكية في إريدو»[2]
  • معبد الإبزو18 طبقة بناء متراكبة توثّق تطور العمارة الدينية من كوخٍ صغير إلى معبد ضخم[8]
  • إله المدينةإنكي (إيا) — إله الحكمة والصناعات والمياه العذبة[3]
𒉢𒁓𒆷

لكش — مدينة الإصلاح والفن

نحو 2500 – 2000 ق.م

في الجنوب الشرقي من سومر، برزت لكش (تلّ الهبة) مركزاً سياسياً وفنياً من الطراز الأول. حاكمها أوروكاجينا أصدر نحو 2350 ق.م ما يُعدّ أقدم برنامج إصلاح اجتماعي موثّق: أعفى المدينين، وكفّ يد الجباة الظالمين، ونقش على الحجر أنه «أعاد الحرية» لمواطنيه. وبعد قرن، زيّن حاكمها جوديا المدينة بتماثيله الشهيرة ومعابد الإله نينجيرسو.[1][8]

  • إصلاحات أوروكاجيناأقدم وثيقة إصلاح اجتماعي في التاريخ (~2350 ق.م)[1]
  • تماثيل جودياروائع النحت السومري بالديوريت، محفوظة اليوم في متحف اللوفر[8]
  • أرشيف ضخمآلاف الألواح الإدارية كشفت تفاصيل اقتصاد المعبد والدولة[6]
𒂗𒆤𒆠

نيبور — قلب سومر الديني

نحو 5000 – 1000 ق.م

لم تحكم نيبور إمبراطورية قط، لكنها حكمت القلوب: فهي مقرّ الإله إنليل كبير الآلهة، ومعبده «الإكور» كان قبلة ملوك سومر جميعاً، إذ لا شرعية لملكٍ دون مباركة نيبور. وفي مدارس كتبتها (الإدوبا) نُسخت وحُفظت معظم النصوص الأدبية السومرية التي نقرؤها اليوم.[3][2]

  • مقر إنليل«ملك الأراضي» — الإله الذي يمنح الشرعية للملوك[3]
  • مدرسة الكتبةمن ألواحها وصلتنا النسخ الكاملة لأدب سومر وملحمة جلجامش[2]
  • وحدة ثقافيةظلت مركزاً دينياً موحّداً حتى بعد اندثار اللغة السومرية[5]
٠٤
إرث لا يفنى

الاختراعات والإنجازات

نحو 3400 ق.م، حوّل كتبة أوروك رموز المحاسبة الطينية إلى أول نظام كتابة كامل في التاريخ. بدأت تصويريةً لتعداد الأغنام والحبوب، ثم تطورت لتكتب الشعر والقانون والرسائل. ومن رحمها وُلدت أبجديات الشرق كله، فكل خطّ تقرأه اليوم يحمل في جيناته بصمة سومرية.[1][6]

في بلاد سومر، نحو 3500 ق.م، دارت أول عجلة فخّار، وسرعان ما انتقلت الفكرة إلى العربات التي جرّتها الثيران فغيّرت النقل والزراعة والحرب إلى الأبد. من قرص الفخّار إلى عجلة سيارتك، الفكرة واحدة لم تتبدل منذ خمسة آلاف عام.[1]

عدّ السومريون بالستين لا بالعشرة، لأن 60 تقبل القسمة على 2 و3 و4 و5 و6 و10 و12 و15 و20 و30 — مثالية للتجارة والفلك. والنتيجة؟ الساعة 60 دقيقة، والدقيقة 60 ثانية، والدائرة 360 درجة. في كل مرة تنظر فيها إلى ساعتك، أنت تستخدم رياضيات سومرية عمرها خمسة آلاف سنة.[1][8]

ابتكر السومريون المحراث (الأرد) الذي تجرّه الثيران، ونظّموا شبكة قنوات ريّ حوّلت سهول الجنوب الجافة إلى سلة غذاء العالم القديم. وكتبوا أول «تقويم زراعي» معروف: نصائح شهرية للفلاح عن البذر والحصاد والريّ — أقدم دليل إرشادي زراعي في التاريخ.[1]

قبل شريعة حمورابي بثلاثة قرون كاملة، أصدر الملك السومري أور-نمو (~2100 ق.م) أقدم مدونة قوانين باقية: ديباجة تعلن أن الملك «أقام العدل في البلاد وأزال الظلم»، ومواد تحدد التعويضات والعقوبات. من سومر خرجت الفكرة التي تقوم عليها الدول كلها: القانون المكتوب فوق الجميع.[4][10]

«الإدوبا» — بيت الألواح — هي أول مؤسسة تعليمية منظمة في التاريخ: مناهج، وتمارين نسخ، وقواميس ثنائية اللغة، ومعلمون صارمون خلّدت الألواح شكواهم من تلاميذ كسالى! آلاف الألواح المدرسية المحفوظة اليوم تكشف نظاماً تعليمياً لا يختلف في جوهره عن مدارسنا.[1][2]

٠٥
صنّاع التاريخ

أعلام سومر

𒄑نحو 2700 ق.م

جلجامش

ملك أوروك · بطل أقدم ملحمة

ملكٌ تاريخي حوّلته الذاكرة إلى أسطورة: ثلثاه إله وثلثه بشر، بنى أسوار أوروك، وراح يبحث عن الخلود بعد موت صديقه إنكيدو، فعاد بحكمة أعظم: «اصنع من يومك عيداً».[7]

𒂊نحو 2285 ق.م

إنهدوانا

كبيرة كاهنات أور · أول مؤلفة في التاريخ

ابنة سرجون الأكدي، وكبيرة كاهنات معبد القمر في أور. كتبت ترانيم للإلهة إنانا ما تزال تُقرأ بعد 4300 عام — أول اسم مؤلف معروف في تاريخ الأدب كله، رجلاً كان أم امرأة.[2]

𒌷نحو 2350 ق.م

أوروكاجينا

حاكم لكش · أول مصلح اجتماعي

حين أثقل الجباةُ كاهل الفقراء، وقف ونقش على الحجر: «أعدتُ الحرية». أعفى المدينين، وحاسب الفاسدين، وحمى الأرملة واليتيم — أقدم وثيقة عدالة اجتماعية يعرفها الإنسان.[1]

𒂵2112 – 2095 ق.م

أور-نمو

مؤسس سلالة أور الثالثة · المشرّع البنّاء

وحّد البلاد بعد قرن من الفوضى، وأصدر أقدم مدونة قوانين باقية، وبنى زقورة أور العظمى التي ما تزال تلامس سماء الجنوب العراقي حتى اليوم.[4]

𒁺نحو 2144 ق.م

جوديا

حاكم لكش · راعي السلام والعمارة

في عصر الإمبراطوريات المتصارعة، اختار طريقاً آخر: لا حروب بل معابد وقنوات وتجارة. تماثيله بالديوريت — المنتشرة اليوم في اللوفر — تخلّد وجه حاكمٍ ورعٍ أحبّ شعبه.[8]

𒊩2094 – 2047 ق.م

شولجي

ملك أور · موحّد المقاييس

ابن أور-نمو الذي حكم 48 عاماً: وحّد الأوزان والمقاييس في كل البلاد، ورعى مدارس الكتبة، ونظّم أول أرشيف دولة في التاريخ — آلاف ألواحه الإدارية ما تزال تُدهش المؤرخين بدقةها.[6]

٠٧
أصوات عبر الزمن

نصوص خالدة

«جلجامش، إلى أين تُسرع؟ الحياةَ التي تنشُدُ لن تجدَها... املأ بطنك، وافرح نهاراً وليلاً، واجعل ثيابك نظيفة، واغسل رأسك، ودلّل الطفل الذي يمسك بيدك، ولتفرح الزوجةُ في حضنك — هذا هو نصيب البشر.»
— نصيحة سيدوري لجلجامش، من النسخة البابلية القديمة للملحمة · الترجمة عن: Andrew George, The Babylonian Gilgamesh Epic [7]
«من يملك فضةً كثيرة قد يكون سعيداً، ومن يملك شعيراً كثيراً قد يكون سعيداً — أما من لا يملك شيئاً، فينام قريرَ العين.»
— مثل سومري من مجموعات ألواح المدارس · المصدر: ETCSL، جامعة أكسفورد [2]
«يا سيدتي، يا من بيدها كلُّ القوى الإلهية، يا نوراً ساطعاً، يا امرأةً بارّةً تتلألأ مجداً، يا من أسّستِ الطقوسَ العظيمة...»
— إنهدوانا، «تمجيد إنانا» (نين-مي-شارا)، أقدم نص أدبي موقَّع باسم مؤلفه (~2285 ق.م) · المصدر: ETCSL [2]
٠٨
التوثيق الأكاديمي

المصادر والمراجع

  1. Kramer, Samuel Noah. History Begins at Sumer: Thirty-Nine Firsts in Recorded History. University of Pennsylvania Press, 1988 (الطبعة الأولى 1956).
  2. ETCSL — The Electronic Text Corpus of Sumerian Literature. Faculty of Oriental Studies, University of Oxford. etcsl.orinst.ox.ac.uk
  3. Black, Jeremy & Green, Anthony. Gods, Demons and Symbols of Ancient Mesopotamia: An Illustrated Dictionary. British Museum Press, 1992.
  4. Woolley, Leonard. Ur of the Chaldees: A Record of Seven Years of Excavation. Ernest Benn, London, 1929.
  5. Michalowski, Piotr. «Sumerian». In: The Cambridge Encyclopedia of the World's Ancient Languages, ed. R. D. Woodard. Cambridge University Press, 2004.
  6. CDLI — Cuneiform Digital Library Initiative. University of California, Los Angeles. cdli.ucla.edu
  7. George, Andrew R. The Babylonian Gilgamesh Epic: Introduction, Critical Edition and Cuneiform Texts. Oxford University Press, 2003.
  8. Hallo, William W. & Simpson, William Kelly. The Ancient Near East: A History. Harcourt Brace Jovanovich, 1971.
  9. British Museum — Collection Online. The British Museum, London. britishmuseum.org/collection
  10. Zólyomi, Gábor. An Introduction to the History and Language of Sumerian. Eötvös Loránd University, Budapest (مادة أكاديمية منشورة إلكترونياً).